أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب: الخيــانـات الكبـرى، "برافــو" يوسف الشاهد
في الماضي انتقدت الموقف المحتشم لرئيس الحكومة إزاء رئاسة الجمهورية وحزب النّهضة وتدخّلات حافظ قايد السبسي، لكن القرارات التي اتخذها يوسف الشّاهد ضدّ بعض الفاسدين والخونة أحيت الأمل في نفوس عدد هامّ من التونسيين والتونسيات بعد أن كانوا يرون انّ الدولة التونسية في طريقها الى الهاوية! وفي انتظار قرارات أخرى لا تقل جرأة ضدّ الفاسدين والخونة، علينا أن نساند رئيس الحكومة ونطالبه ـ في الوقت نفسه ـ بالمزيد والثبات على الموقف، علما انه سيتعرّض لضغوطات رهيبة حتى يضع حدا لحملته ضدّ رموز الفساد والخونة الذين تربطهم علاقات متينة بمسؤولين في عدد من المصالح الحساسة!
الفـســاد
بعد تغيير النّظام أصبحت تونس مرتعا للخونة، فالترويكا أضعفت الدولة إذ كان هدفها فرض نظام عقائدي يتناقض مع وسطيّة الشعب التونسي وتاريخه وطموحات نخبه.. لقد شاهدنا من يمتثل لأوامر قطر طمعا في بترودولاراتها وكنّا ندّدنا بانبطاح بعض الأحزاب والسياسيين لأوردوغان، في حين ركض بعض السياسيين نحو السّفارات الغربية بحثا عن مساندة أو منصب وزير! في هذه الأجواء غير الوطنية والمتعفّنة شاهدنا ايضا جمعيات خيرية تموّل ـ خاصّة ـ من قطر وتخدم أجندات أجنبية، في حين مولت بعض الحكومات الأجنبية الانتخابات التّشريعية والرئاسية أمام صمت مريب للحزبين الكبيرين عن هذه الجرائم لأنهما استفادا من هذه التمويلات المشبوهة!
في هذا الوضع الذي تكرّس بسبب عدم وجود دولة قوية وعادلة، صار شفيق جراية شخصا يمتلك المليارات وظّف جزءا منها لاشتراء ذمم بعض السياسيين والاعلاميين وحتى أقلية من الأمنيين ليصبح ذا نفوذ في تونس ولا يمكن التصدّي له بما أنّه يملك المال و«الرجال» وكذلك النساء في أهمّ الأحزاب والوزارات وقد موّل جزءا من مصاريف نداء تونس وأصبح صديق «كبار» السياسيين النافذين، والحكومة تعلم والمخابرات تعلم والأمن يعلم ولكن لا أحد تصدّى له..
أمّا بالنسبة إلى حزب النهضة، فقد نجح شفيق جراية في اضعاف نداء تونس وتقسيمه حيث ساند الشق الذي دعا إلى «أسلمة» النداء والتحالف مع النهضة، وكان بذلك أحسن حليف لحزب مونبليزير.. وللتاريخ فقد كنت تحدثت مع المترشّح ـ آنذاك ـ الباجي قايد السبسي، ومن بين المواضيع التي تطرقت لها موضوع تمويل بعض التظاهرات للنّداء من قبل شفيق جراية وخطورة هذا التحالف، فردّ الباجي قائلا:«هل هذا الرّجل بهذه الخطورة؟» ثم حدث أن قابلت الرئيس ضمن مجموعة من مديري الصحف وطرحنا موضوع جرّاية وتأثيره السلبي على النداء فلم يجبنا بما يقنع لأنه كان يجهل المهمة الحقيقيّة الموكولة لهذا الشخص.
أمّا صمت النهضة وحكومتيها عن تصرّفات جرّاية فيمكن تفسيره بالعلاقة المتينة والعضوية بين جرّاية وفجر ليبيا الذي يعتبر حليفا لها!.. ومما يذكر هو ان جرّاية نظم ندوة صحفية سمحت لفجر ليبيا باختراق المشهد الاعلامي التونسي كما وفّر لهذه المجموعة العنيفة منبرا اعلاميا وحضورا في الساحة «سمح» لها بعرض مواقفها خاصّة في قناة نسمة وذلك لمدّة ساعتين كاملتين!!
انّ العلاقات المتينة بين جرّاية وفجر ليبيا «صديق» النهضة يفسر صمت حكومات الترويكا عن أفعال هذا الرجل.. ثم لابدّ من التنديد ببعض التصريحات النهضوية التي باركت الحرب على الفساد لكنها تضمّنت تحفّظا على ظروف ايقاف الفاسدين وعدم رضاها عن «توظيف» حالة الطوارئ!
شراء الذمم
من جهة أخرى، لا يحقّ التغافل عمّا صرّح به شفيق جراية بخصوص الاعلاميين حيث أكد انه «اشتراهم»، وكلنا نعلم انّ له تأثيرا على بعض الاعلاميين ـ المنشطين الذين يدعونه أو يدعون أصدقاءه الى منابرهم حتى اصبح المتطرّفون الضيوف المبجّلين في بعض القنوات، وذلك باسم حرية التعبير والبحث عن «البوز» (الفرقعة) والمنافع «الجانبية»، هذا دون ذكر صحيفة قذرة تتهجّم وتثلب كل من ينتقده أو ينتقد أنصاره في الحكومات المتتالية! وبالمناسبة أطالب بنشر أسماء كل الاعلاميين وكل السياسيين و«الاداريين» الذين اشتراهم شفيق جراية لخدمة أجندات متشدّدة ومن بينها أجندا فجر ليبيا التي تحظى بمساندة الحكومة التونسية وخاصّة الترويكا حتى أصبحت الديبلوماسية التونسية تعادي ـ ولو نسبيا ـ خليفة حفتر العدو الشرس لفجر ليبيا والحركات الاسلاميّة المسلّحة!
أما بالنسبة الى ملف الخيانة فقد كانت ردّة فعل السيد يوسف الشاهد وطنية وحازمة، حيث تضمّنت معطيات تدين شفيق جراية جراء اتصالاته بمجموعات أجنبية تريد اركاع الدولة التونسية، وللتذكير فانّ فاسدا آخر وضع على ذمّة بعض المتظاهرين في تطاوين 40 سيارة في حين وفّر آخرون الأكل والمكافآت المالية والخيام، وهذه الحوافز وغيرها كانت وراء حرق ارهابيين لمراكز للأمن والحرس كما استحوذوا على المعبر الحدودي في الذهيبة ونهبوا ما طاب لهم من مخزنه! مع الإشارة الى أنّي أساند كلّ المظاهرات السلمية التي تحترم حرية التنقل والعمل.. وهنا لابدّ من التحرّي في مدى ضلوع حزب التحرير وحراك المرزوقي وغيرهما من الأحزاب والحقوقيين والميليشيات في تأجيج الأوضاع.
أخطبوط التهريب
أما بالنسبة الى كبار بارونات التهريب الآخرين فلابدّ من المضيّ قدما في إيقاف البعض منهم، وذلك مهما كان وزنهم وتحالفهم الضمني مع بعض الأحزاب أو الشخصيات.. لقد كتبت في الماضي أنه يكفي مطالبة كل مراكز الأمن بتقديم أسماء كبار المهرّبين وكبار الاداريين وكل من يخدم مصالحهم مهما كانت وظائفهم، وذلك مقابل مكافآت مالية هامّة، حتى تحصل الحكومة على قائمة شاملة لأعضاء الأخطبوط، كما يمكن الاستعانة بشرفاء اتحاد الشغل حتى تتوفّر لرئاسة الحكومة قائمة جدّية لكبار المجرمين لكن للأسف لم تصغ الحكومة لمثل هذه الأفكار والاقتراحات، حتى أصبح في بعض الأحيان حاميها حراميها!
في الختام أطالب السيد يوسف الشاهد رئيس الحكومة برفض أيّ تدخّل لحماية المجرمين علما انّ بعض الأحزاب ومن بينها حزب نداء تونس سيحاول حماية النواب والنائبات الذين لهم علاقة بجراية خوفا من إضعاف الحزب الذي هو الآن في حالة موت سريري.
كما انّ هناك بارونات تهريب عديدين ونافذين في الجهات التونسيّة يجب فتح مخازنهم ومحاسبتهم ومحاكمتهم لأنه بحوزتهم 55 ٪ من قيمة المنتوج الخام، ومن هؤلاء من لهم علاقات «حميمة» مع أفراد من الديوانة والأمن والحرس والسياسيين!
والمطلوب اليوم مواصلة الحملة ضدّ كبار بارونات التهريب وضد كل من له علاقة مشبوهة مع جمعيات أو حكومات أجنبية لكن هناك أيضا معارضة لرئيس الحكومة، فإذا استمرّ السيد يوسف الشاهد في مساعيه للقضاء على الارهاب والفساد، سيصبح رجل دولة بأتمّ معنى الكلمة، وإن خضع للضّغوطات فقد قضى على مستقبله السياسي وخاصّة على المستقبل القريب لبلادنا!